ضريبة " اوكسجين"

سبت, 02/07/2026 - 12:47

فى زحمة الصباح كانت العاصمة تتثاءب مظاهرة بين بردين من شمس تتسلق لتوها معلنة بداية يوم جديد وبحر يتنفس بهدوء محاولا تلطيف جو يتنازعه برد الشتاء وحرارة الصيف  اوقفتنى دورية أمن عند إحدى بؤر الزحمة 
طلب منى ضابط الدورية بوقار التوقف ثم فعل إنارة الخطر فى سيارة الدورية وأمرنى بالسير خلفه
كنت مرعوبا إلى حدما فأنا لا أعرف مشكلتى ولا اتجاهى 
أعرف فقط أن السير خلف سيارة الشرطة منحنى فرصة الخروج من " عنق زجاجة" الاختناق المروري ولو إلى " عنق" شيئ لا أعرف ملامحه 
توقفنا أمام مفوضية شرطة لم استطع تمييزها ربما لأننى تحت الصدمة 
امرنى الضابط بركن السيارة فى نقطة حددها لى فى محيط المفوضية ثم طلب منى أن اتبعه 
و" مشيت مثل الطفل" خلف الشرطي الذى كان مع وقاره متجهما بعض الشيء قليل الكلام سريع الحركة 
أمام مكتب فى المفوضية استوقفنى قائلا
( حبييب الله أنا لا أريد إيذاءك معاذ الله فقط لدي تعليمات بتوقيفك وتسليمك للمفوض ومهمتى ستنتهى بدخولك عليه )
حاولت أن اسنفسر منه لكن ظروفى النفسية لم تكن مناسبة لترتيب العبارات فعدلت عن استخدام "الكلمات المتقاطعة"
دخلت مكتب المفوض 
وامامى الضابط الذى أدى تحية عسكرية ل" شيخه"
وبنصف استدارة خرج من المكتب 
كان المفوض الذى امامى رجلا ربعة وخط الشيب راسه يرسم على ملامحه ابتسامة كأنها ب" الذكاء الاصطناعي"
أشار إلي بالجلوس على مقعد قبالته 
كانت لديه نظارة " شوفه" ونظارة" ظل" تداومان على وجهه 
حيانى باحترام قبل أن يفتح حاسوبا امامه ويفتح دفترا كأنها مثبتة على المكتب 
بدون مقدمات بدأ الحديث
( انت فلان ابن فلان عملك كذا تقطن فى الحي كذا من مواليد السنة كذا فى منطقة كذا)
خشيت أن يقول لى ( وجبة عشائك البارحة كانت مكرونه الماسخه)
ثم اضاف 
( هل هذه هي بياناتك الشخصية)
قلت له ( تماما حضرات وبنسبة 1000% )
 تصنع شبه ابتسامة ثم بدأ يحاول تلطيف الجو فربما اعتقد أننى ارتجفت قليلا ولم يكتشف أن ذلك بسبب  برودة " المكيف" وليس بسبب الخوف 
هو معذور لا يعرف أننى لست خائفا تماما 
تحدث فى هاتفه قليلا ثم قال لى
( عشت فى " كبة سيزيم" جزء من حياتك)
قلت فى نفسى
( هؤلاء يعرفون حتى حناكتى ويعرفون أننى متحمض )
اضاف ( هل هذا صحيح)
قلت ( نعم وحاشا لله أن تكذب الحكومة )
قال ( ساطرح عليك بعض الأسئلة ثم ادون إجاباتك معها فى المحضر ثم توقعه لنرى رأينا فيك لاحقا)
قلت له ( نعم سأجيبكم حسب معلوماتى )
كنت أعرف أن المحضر جاهز وأنهم سألوا انفسهم واجابوها وكل ما يربدونه هو أن اوقع وأنا ملزم بالتوقيع حتى لو حمل المحضر مسؤوليتى عن تفجير طائرة" لوكربى"
واغتيال عالم الحشرات الهندي" راكيشار فجايندرا"
سالنى المفوض 
( هل تقر بانك متهرب من الضرائب )
قلت لنفسى لاشك أنه كتب الجواب مسبقا بأننى فعلا متهرب من الضرائب وبالتالى لا داعي لأن اعطى جوابا آخر 
قلت له ( نعم )
تهللت أساريره كأنه رقص" دخلى" لعثوره على كنز
بدأت مداومة نظارة" الشوفه" ( الشوفه عند السلطات ما توفه) على عينيه
قال لى ( هل تعرف عقوبة التهرب الضريبي)
اجبته بثقة عمياء
( طبعا لا فتخصصى ليس القانون )
قال ( حسنا هل تستطيع تخمين الضريبة التى تهربت من أدائها )
قلت ( غالبا يتعلق الامر بضريبة السيارات السنوية وضريبة إشارات المرور فأنا ربما لم ادفع إلا ضريبة موقف او راي )
عادت ابتسامة إلى وجهه لكنها هذه المرة ب" الغباء الاصطناعي"
القى نظارات" الشوفه" جانبا واستبدلها بنظارات" الظل" قبل أن يقول
( حبيب الله  أنت تدفع بانتظام ضريبة السيارة السنوية وضريبة إشارات المرور وتقتطع من راتبك بعض الضرائب  وهذا موثق لدينا ولكنك أبدا لم تدفع ضريبة الاوكسجين)
صعقت وصدمت فلاول مرة اسمع هذه الضريبة 
قلت للمفوض( لم يطلب منى ابدا تسديد ضريبة التنفس وكنت أظن الاوكسجين مثل إشراقة الصباح ورذاذ المطر وزقزقة العصافير ونظرات الأطفال البريئة أشياء منحتها لنا الحياة ولا منة لأحد علينا فيها حتى ياخذ منا ضرائب مقابلها)
فغر فاه وبدا أبنوسي الملامح كتمثال يعرضه شيخ افريقي مكافح على سائح غربي بخيل 
دفع إلي بكتاب وضع اصبعه على صفحة بها فقرة مظللة بقلم سيال كثيف الحبر وطلب منى قراءتها 
قرأت 
(  ولأن حكومة معالى الوزير الأول المختار ولد جاي استنفدت كل وسائل جمع الضرائب ومبرراتها ولأنه لاخزينة وطنية بدون ضرائب فقد تقرر استحداث ضريبة تنفس ضريبة اوكسجين على كل مواطن دفعها شهريا
ويهدف هذا النص إلى تقنين استخدام موارد الدولة من هواء التنفس للحفاظ عليه وعقلنة استخدامه 
وسينظر لاحقا بالتعاون مع برمجيات" الذكاء الاصطناعي" فى طريقة تقنية لفرض هذه الضريبة على المواشى بداية بالحمير والماعز فى المرحلة الأولى )
انتهت الفقرة
قرأتها وانا خارج النص كصحفي الإذاعة وهو يقدم نشرة منتصف الليل
سألت المفوض
( ولكن حضرات كيف اعرف حجم استهلاكى من الاوكسجين وكيف اقيس وحدة التنفس وما يقابلها من الاوقية )
نظر إلي نظرة باردة ثم قال
( هناك ملحق فني سينشر لاحقا ولكن نحن ننظر إلى أنف المواطن وحجم منخريه ثم نقدر استهلاكه وغالبا الضريبة جزافية )
لم افهم شيئا 
دفع إلي بمحضر فى خلاصته تعهد
(  أتعهد انا المواطن الموريتاني .... المولود بتاريخ ....فى .... المهنة ... الطول....العرض ....عنوان السكن .... الهاتف....
روابط صفحات فيس ووتساب وتيك توك وسناب وهاي.....
الإيميل....
الوجبة المفضلة....
الوضع النفسي....
الهوايات....
بان ادفع شهريا لخزينة الجمهورية الإسلامية الموريتانية ضريبة التنفس او ضريبة الاوكسجين بالمبلغ الجزافي الذى تحدده السلطات المختصة  )
وقعت المحضر 
ناولنى المفوض فاتورة صغيرة ثم طلب منى المرور بالخزينة أو أي مكتب ضرائب لتسديدها الآن الآن وليس غدا وهو يقول
( ليست لديك مشكلة تسدد هذه الضريبة وتعود لحياتك الطبيعية )

الشكلية التى اعطانى المفوض كانت كالتالى /
وزارة المالية
إدارة الضرائب 
المرجع 000513/01/26
الرقم 9977883300
التاريخ 7/2/2026
المخالصة TO2 ( ضريبة تنفس ) 
رقم لوحة المواطن 145576عرفات 
المبلغ بالأحرف ( جزافي يخضع للسلطة التقديرية لجهة الاختصاص)= عشرون الف اوقية( جديدة)
بالأرقام =20000 = ( جديدة )
توقيع مستلم المخالصة
استلمت الورقة من المفوض ثم حييته باحترام وانا اخرج من مكتبه اقول لنفسى ( هذا مبلغ رهيب مجحف اخشى أن يدفعنى إلى أن استخدم منخرا واحدا للاقتصاد فى كمية الاوكسجين )
عندما استيقظت من الحلم كنت افكر فى أن هذه الحكومة اثقلت كاهل المواطن بضرائب مجحفة بلا معنى ولا أثر لها على حياته اليومية

 

من صفحة الكاتب حبيب الله ولد أحمد